سند.أوراق من حياتيعلى عتبة العشرين
هذه عتبة الحكاية
الورقة الأولى · قبل التفاصيل١
بسم الله الرحمن الرحيم

اسمي سند…
ولم أجد مَن أستند إليه

إلى مَن سيقرأني على مهل،

اسمي سند. وُلدت في السابع من نوفمبر عام ٢٠٠٦، في الأردن. هذا هو التاريخ الذي بدأت فيه حياتي على الورق؛ أمّا الحياة التي شعرت بثقلها، فبدأت وأنا في السابعة. لا أكتب الآن سيرةً مكتملة، ولا أملك ترتيبًا نهائيًّا لكلّ ما مررت به. أكتب ما تسعفني به الذاكرة، وأحاول أن أعثر، بين هذه الأشياء المتناثرة، على الطفل الذي كنته، وعلى الإنسان الذي صرت إليه.

أقترب من العشرين، وأشعر أنّ في داخلي أعمارًا لم أعشها كاملة، وأيامًا عشتها أكثر ممّا ينبغي. هذه الصفحات محاولة لأن أقول ما سكتُّ عنه طويلًا؛ أن أضع شيئًا من حملي على الورق، بعد أن اعتدت حمله وحدي.

سمّوني سندًا، فحملتُ ما استطعت.
وحين أثقلني الحمل، لم أعرف على أيّ كتفٍ أضع رأسي.

١ / طفولة بعيدة عن البيت

في السابعة سافرت إلى اليابان مع جدّي، ليُدرّبني ويعلّمني أشياء كثيرة. بقيت هناك نحو أربع سنوات ونصف. أقولها الآن في جملة، لكنّ تلك الجملة تخفي أيامًا طويلة لا يمكن اختصارها بسهولة. كانت سنوات تدريب قاسٍ؛ قسوةً شعرت معها، في أوقات كثيرة، أنّ ما أعيشه أقرب إلى التعذيب منه إلى التعلّم.

تدرّبت على التايكواندو والجودو، وعرفت التعب الذي يثقل الجسد، والانضباط الذي يطلب منك أن تواصل حين ترغب في التوقّف. ولم تكن صعوبة تلك السنوات في التدريب وحده؛ كنت طفلًا بعيدًا عن بلده، يحاول أن يفهم المطلوب منه، وأن يجد لنفسه مكانًا بين التعلّم والخوف والإرهاق. تعلّمت أشياء كثيرة، لكنّ تعلّمي لا يُلغي أنّ بعض ما مررت به كان أكبر من قدرتي في ذلك العمر.

لا أريد أن أجمّل القسوة لأنّني خرجت منها أعرف كيف أقاوم. فالطفل قد يتعلّم الوقوف وهو يتألّم، ويظلّ يستحقّ يدًا تطمئنه. هناك بدأت علاقتي بالتحمّل، وربّما بدأ أيضًا ذلك الصمت الذي صار، بعد سنوات، أكثر ما يعرفه الناس عنّي.

٢ / نافذة اسمها الكمبيوتر

وسط تلك المرحلة، كان كمبيوتر جدّي نافذةً أخرى. كنت أتدرّب عليه وأتعلّم منه ما أستطيع، ولم أكن أعرف أنّ هذا الجهاز سيأخذ كلّ ذلك الحيّز من حياتي. كان فضولي يبدأ بسؤال، ثم يجرّ وراءه أسئلة أخرى: كيف يعمل هذا؟ ماذا يوجد خلف الشاشة؟ وكيف تتحوّل أوامر نكتبها إلى شيء يستجيب لنا؟

وعندما عدت إلى الأردن، وكان عمري نحو إحدى عشرة سنة ونصف، ازداد تعلّقي بالإلكترونيات. شعرت أنّ وراء الأشياء التي نستعملها كلّ يوم عالمًا ينتظر أن أفهمه. لم أعد أكتفي بأن يعمل الجهاز؛ أردت أن أعرف لماذا يعمل، وماذا يحدث داخله، وكيف أستطيع أن أصنع شيئًا بنفسي.

كان أخي الكبير يساعدني، يشرح لي أشياء كثيرة ويقرّب إليّ ما يصعب عليّ فهمه. تعرّفت إلى لغات البرمجة، وبدأت أتعلّم وأجرّب وأخطئ، ثم أعود للمحاولة. امتدّت تلك المرحلة نحو ثلاث سنوات، حتى قاربت الرابعة عشرة. كنت كلّما فهمت شيئًا ازددت رغبةً في الذي يليه؛ كأنّني وجدت أخيرًا بابًا أستطيع أن أفتحه بيدي.

٣ / أن أكبر قبل موعدي

قبل أن أعمل في شركة، كنت أعمل مع أبي؛ أردت أن أصرف على نفسي، وأن أكون مسؤولًا عن احتياجاتي. تعلّمت أنّ وراء المال تعبًا، وأنّ الاستقلال ليس كلمة نقولها لنبدو أكبر. وحين قُبلت للعمل في شركة، قرابة الرابعة عشرة، شعرت أنّ ما كنت أتعلّمه بدأ يجد مكانًا خارج حدود فضولي الشخصي.

كنت أحاول أن أثبت أنّني قادر؛ قادر على العمل والتعلّم وتحمّل المسؤولية. لكنّ الاعتياد على أن أكون قادرًا جعل الاعتراف بتعبي أصعب. كأنّني، كلّما نجحت في حمل شيء، أضفت إلى نفسي واجبًا جديدًا: أن أحمل الذي بعده أيضًا، وأن أفعل ذلك من دون شكوى.

٤ / الباب الذي تمنّيت لو لم أفتحه

ثم اقتربت من عالم لم أكن أريد أن يأخذني إلى ما أخذني إليه: الدارك ويب. دخلت بدافع الفضول والتعلّم، وواجهت أشياء تمنّيت لاحقًا لو أنّني لم أرها. مناظر وأمور مخيفة وقاسية لا أريد إعادة وصفها هنا. يكفي أن أقول إنّ بعض ما رأيته بقي في ذاكرتي، وإنّ الشاشة لا تمنع الأذى من الوصول إلى مَن يجلس أمامها.

تعلّمت عن الأنظمة وأمنها، وعن القرصنة والاختراق، وصارت لديّ قدرة كنت أحتاج إلى أن أفهم حدودها ومسؤوليّتها. في البداية أقنعت نفسي بمبدأ: هناك أشخاص يؤذون غيرهم عشوائيًّا، وأنا سأوقفهم وأخلّص الناس من ضررهم. كنت أضع لنفسي تفسيرًا يجعل ما أفعله يبدو عدلًا.

لكنّني لم أبقَ داخل الحدود التي ادّعيت أنّني رسمتها. صرت أتدخّل في مشكلات أشخاص أعرفهم، وأخترق وأخرّب وأتسبّب بأذى يفوق أحيانًا الأذى الذي بدأت بسببه الحكاية. كنت أسمّي ذلك ردًّا، بينما كانت أفعالي تتجاوز الردّ إلى الانتقام. هذه مسؤوليّتي، ولا يصحّ أن أخفيها خلف قوّة معرفتي أو خلف أخطاء الآخرين.

كنت أعرف كيف أصل إلى ثغرةٍ في نظام،
وأتأخّر في رؤية الثغرة التي أتركها في ضميري.

استمرّ ذلك حتى السابعة عشرة، حين تبت عن مسار الأذى ذاك وحاولت أن أبتعد عنه. التوبة لا تمحو ما وقع من ذاكرة صاحبه، ولا تعيد تلقائيًّا ما خسره الآخرون. إنّها تلزمني بأن أتوقّف، وأن أصدق مع نفسي بشأن ما فعلته، وأن أبحث عمّا أستطيع إصلاحه. وما زلت أحتاج إلى هذا الصدق كلّما حاولت أن أفهم تلك السنوات.

٥ / نوح… الاسم الذي لم يغب

ولكي أروي ما حدث بترتيبه، عليّ أن أعود قليلًا: إلى الخامسة عشرة، وإلى نوح.

كان لديّ أصدقاء أعتبرهم إخوة، وكان نوح قريبًا منّي على نحو خاص، منذ طفولتي. له في ذاكرتي مكان لا يشبه أيّ مكان آخر. كان والده يرفض علاقتنا، ويعتقد أنّني أفسد ابنه؛ أمّا أنا فكنت أرى نفسي صديقًا له، أحاول مساعدته. كنّا نعاند ذلك الرفض، ونتمسّك ببقائنا معًا.

ثم جاء اليوم الذي بلغني فيه أنّ نوح مات على يد والده، بعد إصراره على استمرار صداقتنا. وما أحمله من تلك اللحظات أنّه لفظ أنفاسه الأخيرة وهو متمسّك بي. توجد أحداث يصعب على الذاكرة أن تجعلها ماضيًا؛ يبقى أثرها حاضرًا، حتى حين يمضي على وقوعها وقت طويل.

منذ ذلك اليوم، حملت عبارةً ثقيلة: «مات بسببي». كان رأسي يعود إلى عنادنا، وإلى تمسّكنا بصداقتنا، ويسأل: لو أنّني ابتعدت، هل كان سيبقى؟ لم أعرف كيف أفصل محبّتي له عن شعوري بالذنب. لكنّ محاولتي أن أفهم ما حدث تفرض عليّ أن أقول أيضًا: صداقتنا لا تبرّر العنف، وتمسّكي بنوح لا يجعلني مسؤولًا عن قرار مَن آذاه.

انكسرت بعده. مرّت سنة كاملة شعرت فيها أنّني جسد بلا روح؛ أتحرّك وأكمل أيّامي، فيما شيء أساسي في داخلي غائب. لم أتجاوز فقده تمامًا، وما زال أثره معي. لا أريد أن أختصر نوح في طريقة رحيله؛ كان صديقي قبل أن يصبح وجعي، وكان إنسانًا عزيزًا قبل أن يصير اسمه أصعب ما أكتبه.

يا نوح، ما زال لاسمك موضعٌ في الكلام،
أصل إليه، فأصمت قليلًا… ثم أحاول أن أكمل.

٦ / حين جاء الأذى من جهة الثقة

وفي موضع آخر من حياتي، غدر بي شخص عرفته أربع سنوات. كنت أظنّ أنّ بيننا ما يكفي لأطمئنّ إليه، ثم وجدت نفسي أمام نيّة لإيذائي جسديًّا؛ جمع شبابًا لضربي، وتعرّضت للأذى. ما كسرني لم يكن الخوف والألم وحدهما، بل أن تأتي الخيانة من شخص حسبته قريبًا.

بعدها صرت أكثر كتمانًا. لم أعد أعطي الثقة بسهولة، وصارت الأسئلة تسبق اقتراب أيّ أحد: ماذا يريد؟ ماذا يعرف عنّي؟ وهل سيستخدم ما أقوله ضدّي يومًا؟ أردت أن أحمي نفسي، لكنّ الحذر، حين يكبر أكثر من اللازم، يُتعب صاحبه حتى في اللحظات التي يتمنّى فيها أن يطمئنّ.

كنت أحتاج إلى مَن يسمعني، وفي الوقت نفسه أخشى ما قد يفعله بمعرفته عنّي. وهكذا بقيت أشياء كثيرة في الداخل؛ أشرح للناس ما يستطيعون رؤيته، وأسكت عن الذي لا يعرفون أنّه موجود.

٧ / اسمي الذي صار سؤالًا

كنت أشعر أنّ عليّ أن أكون السند لعائلتي، وأن أتعب لأجل الجميع. أردت أن أكون حاضرًا حين يحتاجون إليّ، وأن أوفّر ما أستطيع، وأن أخفّف عنهم. لكنّني كنت أعود إلى نفسي وأسأل: وأنا، لمَن أحكي تعبي؟ مَن أعطيه قلبي، فيعرف كيف يحفظه؟ مَن يستطيع أن يسمع ضعفي من دون أن يستخدمه ضدّي؟

لم أجد جوابًا يطمئنّني. كنت أقدّم ما أقدر عليه، وأحيانًا أكثر ممّا أقدر عليه، ثم أغضب من صمتي ومن عجز الآخرين عن رؤية ما لم أقله. ضحّيت كثيرًا لأجل مَن يهمّونني، وقصّرت معهم أيضًا في أشياء كثيرة. يمكن للأمرين أن يوجدا في الشخص نفسه، والاعتراف بأحدهما لا يلغي الآخر.

أمدّ يدي كلّما مالَ أحدٌ أحبّه،
ثم أعود إلى نفسي، فأجدني أحتاج اليد نفسها.

٨ / المال الذي لم يُرتّب ما في داخلي

وفي مرحلة أخرى، دخلت مجال تهكير الألعاب وبيع أدواتها، وطوّرت هاكات وبرامج خبيثة. جمعت مالًا كثيرًا، لكنّني لا أستطيع أن أروي هذه المرحلة كأنّ المال وحده يصفها. هناك أفعال ونتائج وأسئلة عن الأذى، وعليّ أن أواجهها حين أحكي التفاصيل، من دون أن أخفيها وراء كلمة «شغل».

تداخلت في حياتي الرغبة في الكسب، والمعرفة التي امتلكتها، والقرارات التي لم أحسن اتخاذها. وهنا ما زالت تفاصيل لم أكتبها، وتسلسل أحتاج إلى أن أرويه بدقّة. لا أريد أن أملأ فراغات ذاكرتي بما يجعل صورتي أجمل؛ أريد أن أقول ما حصل كما أستطيع تذكّره، وأن أتحمّل مسؤوليّتي فيه.

خسرت أشياء أندم عليها، وزعزعت ثقة أشخاص، وقدّمت تضحيات لم تصلح كلّ ما قصّرت فيه. أحيانًا أنظر إلى نفسي فلا أرى إلا التناقض: قلب يريد الخير لمَن يحبّ، وأفعال خرج منها الأذى. هذا التناقض موجع، ويحتاج إلى تغيير أعيشه، وإلى ما هو أبعد من كلمات الاعتراف.

٩ / أعرف أكثر… وأتعب أكثر

كثيرًا ما أصف نفسي بأقسى الألفاظ. أقول إنّني سيّئ، وأختصر نفسي في الأشياء التي أخجل منها. لكنّ هذه القسوة لا تعيد حقًّا، ولا تصلح ثقة، ولا تمنع خطأً جديدًا وحدها. أحتاج إلى تسمية أفعالي بوضوح، وإلى أن أبقى قادرًا على اختيار فعل أفضل، حتى حين يصعب عليّ أن أرى في نفسي شيئًا يستحقّ.

لديّ وعي بأشياء كثيرة، لكنّه يتحوّل أحيانًا إلى عبء. أفكّر في المواقف، وفيما كان يمكن أن أقوله أو أمنعه أو أفعله بطريقة أخرى. يتكرّر السؤال حتى يتعبني، وأتمنّى لو أنّني أقلّ معرفةً بما يدور في داخلي. كأنّني أفهم وجعي أكثر ممّا أعرف كيف أخفّفه.

مررت بأشياء جعلت إحساسي يبهت. صرت أواجه بعض الأحداث بفتور لا يشبهني، وأتساءل أين ذهب ردّ فعلي، وأين اختفى ذلك الجزء الذي كان يشعر بسرعة. ومع ذلك، ما زلت أكتب؛ ربّما لأنّ شيئًا في داخلي يريد أن يُفهم، ويريد فرصةً ليحكي قبل أن يُحكم عليه.

١٠ / على عتبة العشرين

أكتب هذه البداية قبل عيد ميلادي العشرين، الذي يوافق السابع من نوفمبر عام ٢٠٢٦. بقيت عليه أيّام، وأنا أعرف ذلك الشعور الذي يقترب معه. لا أحبّ هذا اليوم؛ كثيرًا ما مرّ من دون احتفال معي، ومن دون أن أشعر أنّ وجودي يستحقّ وقفةً صغيرة في حياة أحد.

وتكرّرت أشياء سيّئة في هذه الفترة من سنواتي حتى صرت أتوتّر مع اقترابها. لا أقول إنّ التاريخ يحمل لي شرًّا؛ أقول إنّ ذاكرتي ربطته بما آلمها. صرت أستقبل يومًا يُفترض أن أفرح فيه وأنا أخشى ما قد يضيفه إلى ما أحمله.

لم أكن أطلب الكثير. أردت أن يتذكّرني أحد بمحبة، وأن أشعر أنّني مهمّ لذاتي، حتى حين لا أقدّم شيئًا ولا أحلّ مشكلةً ولا أحمل عن أحد. أردت أن أسمع «كلّ عام وأنت بخير» وأصدّق أنّ قائلها يريد لي الخير، ويعرف أنّني أحتاج إليه أيضًا.

١١ / إلى مَن سيكمل القراءة

ما كتبته الآن خرج منّي على دفعات. تذكّرت أشياء، وغابت عنّي أشياء، وتوقّفت عند وجع، وتجاوزت تفاصيل لم أستطع فتحها بعد. هذه أوّل ورقة أجمع فيها أطراف الحكاية؛ هناك مواقف وأشخاص وقرارات لم أصل إليها، وهناك أشياء تحتاج منّي شجاعةً ووقتًا كي أقولها بصدق.

إذا أكملت القراءة، فأرجو أن تكون واعيًا لما تقرأ. لا تتّخذ أخطائي طريقًا تختبره بنفسك. لا تمنح نفسك حقّ إيذاء الآخرين لأنّك ترى أنّهم يستحقّون، ولا تجعل قدرتك على فعل شيء دليلًا على حقّك في فعله. وإن وجدت في تجربتي عبرة، فخذها قبل أن تضطرّ إلى دفع ثمن يشبه الذي دفعته أو تسبّبت به.

لا أشعر الآن أنّ لديّ شيئًا كبيرًا أتباهى به. لكنّني أعرف أنّ في قلبي محبّةً، وأنّني قد أضحّي بالغالي لأجل مَن يهمّونني. أريد أن أتعلّم كيف أحفظ هذه المحبّة من الاندفاع والأذى، وكيف أكون سندًا من دون أن أترك نفسي تسقط. وأريد أن أترك لمن أخطأت في حقّهم حقّهم في مشاعرهم؛ فندمي لا يُلزمهم بمسامحتي.

أنا سند؛ أخطأت، وخسرت، وأحببت، وتعبت، وما زلت أحاول أن أفهم ما فعلته الحياة بي، وما فعلته أنا بحياتي وبغيري. وهذه الكلمات لا تُنهي شيئًا. إنّها تفتح الباب الذي ظللت واقفًا أمامه طويلًا.

كلّ ما قرأتَه… كان وقوفًا عند الباب.
أمّا القصّة،
فلم تبدأ بعد.

منّي، كما استطعت أن أحكي نفسيسندكُتبت هذه البداية على عتبة العشرين · أكتوبر ٢٠٢٦